الاملاك البحرية في لبنان: مشاريع قوانين ولدت ميتة

صورة AGORA moderator

يعود الحديث مجدداً عن الاملاك العمومية البحرية في ظلّ تفاقم مديونية الدولة اللبنانية وعجزها التام عن ايجاد حلول لمشاكل لبنان الاقتصادية. ففي مقابل انكفاء الطبقة السياسية عن طرح مشاريع جدية، تعلو الاصوات المطالبة بإقرار مشروع قانون ينظم التعديات على الاملاك البحرية ويعاقب المخالفين، لا سيما انّ من شأن هكذا قانون ان يدرّ أموالا على خزينة الدولة الفارغة. ومشاكل الشاطئ اللبناني ليست وليدة اليوم بل هي نتيجة ممارسات غير قانونية بدأت ما قبل الحرب اللبنانية وتضاعفت اثناءها بفعل غياب الرقابة على الشاطئ. ولم تتحرك الدولة جدياً بعد انتهاء الحرب لتسوية هذا الملف الذي انتقل بين ادراج الحكومات والمجالس النيابية المتعاقبة مراراً وتكراراً حتى بات يشكلّ احدى "الفزاعات" التي تتهرب منها الطبقة السياسية نظراً لتداعياتها التي قد تطال معظم افراد اهل الحكم. ونعود في مقالتنا هذه الى ابرز المراحل التي تمّت خلالها مناقشة مشاريع قوانين متعلقة بمعالجة التعديات على الاملاك البحرية. ونركز بشكل خاص على الفترة الممتدة من اوائل التسعينات حتى اول الالفية الثانية والتي شهدت نقاشاً حاداً حول هذه المسألة.

تنظيم الاملاك البحرية قبل الحرب
صدر القانون الوحيد المتعلق بتنظيم الاملاك العمومية البحرية خلال فترة الانتداب الفرنسي للبنان وتحديداً عام 1925. ففي 10 حزيران 1925 حمل القرار الرقم 144/س تحديداً للاملاك العمومية وفي مادته الاولى من الفصل الاول النص الآتي: "تشمل الاملاك العمومية في دولة لبنان الكبير ودولة العلويين جميع الاشياء المعدة بسبب طبيعتها لاستعمال الجميع او لاستعمال مصلحة عمومية. وهي لا تباع ولا تكتسب ملكيتها بمرور الزمن[1]". واستكمل المفوض السامي هنري دي جوفنيل السعي الفرنسي فأصدر في 16/1/1926 قرارا جاء في مادته الاولى في الباب الاول تحت عنوان "نظام مياه الاملاك العمومية والمحافظة عليها: محظور دون رخصة تمنحها الادارة ضمن الشروط المحددة في القرار 144/س التعدي بأي نوع كان على حدود الاراضي التابعة لضفاف مجاري الماء الموقتة او الدائمة او المستنقعات والبحيرات والغدران والينابيع، وكذلك حدود ممرات قناطر المياه وقساطلها وترع الملاحة والري والتجفيف والتصريف، المصرّح انها أنشئت للمنفعة العمومية". وينص القرار على سلسلة ممنوعات تتناول حتى "نزع العشب والشجر والتراب عن ضفاف كل المجاري المائية مهما تنوعت". منذ 1926 حتى 1999، تحولت الاملاك العمومية البحرية املاكا خاصة في معظمها، وحرّم على اللبنانيين الافادة من شواطئهم التي صارت منتجعات خاصة ثمة شروط تعجيزية للولوج اليها. ويشار الى ان القوانين التي سنّت خلال الانتداب، سمحت باقامة منشآت وبموجب رخص وامتيازات لكنها طوقت اي رخصة بتدابير قانونية تجيز سحب الرخصة او اعادة النظر في الرسم المالي، وتحظر التنازل عن الرخصة للغير كليا او جزئيا "الا بعد موافقة رئيس الدولة المصادق عليها من المفوض السامي"، كما جاء في المادة 14 من الاحكام المتعلقة بالرخص والامتيازات المختصة بمياه الاملاك العمومية.
وينص نظام "اشغال الاملاك البحرية، الصادر في المرسوم 4810 عام 1966 والمعدل عام 1978 في مادته الاولى على ان "الاملاك العامة البحرية تبقى باستعمال العموم ولا يكتسب عليها لمنفعة احد اي حق يخول اقفالها لمصلحة خاصة." ونصت المادة ذاتها ايضاً على ان "السماح بتخصيص جزء من الشاطئ لاستعمال فرد او مجموعات وحصر هذا الانتفاع بهم دون سواهم يكون عملاً استثنائياً." وقيدت حالات الاستثناء بإقامة مشاريع لها مبررات سياحية او صناعية، وفق افادات المجلس الاعلى للتنظيم المدني، و"عدم علو البناء فوق مستوى الاملاك العامة البحرية اكثر من ستة امتار[2]".

التعديات على الاملاك البحرية خلال الحرب
ومع اندلاع الحرب اللبنانية عام 1975، شهدت الاملاك التابعة للدولة اكبر عملية سطو ممنهج، فطالت الاملاك البحرية بشكل خاص. وصدرت خلال تلك المرحلة، وتحديداً في الثمانينات، قرارت وتراخيص عشوائية سمحت بإشغال هذه الاملاك، ما زاد من عدد المنشآت وحجم التعديات على طول الشاطئ اللبناني. وقد خالفت هذه التراخيص القرار رقم 144/25، لا سيما المادة 16 منه التي تنص على وجوب اعطاء اجازات الاشغال بقرار من رئيس الدولة.

ونتيجة لهذه الفوضى، انحسرت مساحة الشاطئ مع انتهاء الحرب من نحو مئتي وعشرين كلم الى ما لا يزيد 40 كلم.وكانت مديرية الشؤون العقارية في وزارة المال اجرت مسحاً لواقع الشاطئ قبل وبعد الحوادث اظهر ان هناك 7 ملايين و567 الفاً و335 متراً مربعاً من الاملاك العامة المشغولة، ومنها اشغالات من الدولة. اما المساحات المشغولة من دون تراخيص قانونية، فبلغت زهاء مليونين و803 آلاف متر مربع. كما احصت 1465 مخالفة بحرية حصلت خلال الحرب، منها مشاريع تحوّلت الى ابرز دعائم المنظومة الاقتصادية في فترة ما بعد الحرب[3].

ما بعد الحرب: مشاريع قوانين ومراسيم لم تبصر النور
عاد ملف الاملاك البحرية الى الواجهة مع حكومة الرئيس سليم الحص بعد انتهاء الحرب. فقد كلف الحص لجنة لوضع دراسة شاملة حول وضع هذه الاملاك والتعديات عليها. وبالفعل، صدر في 20 آب 1990 القانون رقم 14 الذي ابطل جميع التراخيص المخالفة للقانون الصادرة عن وزراء الاشغال السابقين. وفي المادة 30 منه الآتي: "تعتبر باطلة بطلاناً مطلقاً ويحظر على اي جهة رسمية ترتيب اي اثر قانوني عليها، جميع الاعمال والتصرفات والتدابير الحاصلة خلافاً للقواعد والاصول المقتضاة قانوناً وفي صورة خاصة الآتي: أ - عقود البيع او الوعد به والايجار المبرمة خلافاً للاحكام والاصول المحددة لها. ب - اشغال الاملاك العامة البحرية الحاصلة دون استصدار مراسيم تجيزها ولا يترتب للشاغل الفعلي في صورة غير قانونية اي حق مكتسب مهما كانت مدة اشغاله. ج - الاشغال المؤقت للاملاك العامة او البلدية واستثمارها خلافاً للاصول وكان حاصلاً بمقتضى ترخيص من المرجع المختص.[4]" كما قررت الحكومة اعادة تفعيل سرية الشواطئ المولجة بحماية الاملاك العمومية البحرية وضبط المخالفات وملاحقة المخالفين انفاذاً للقرار رقم 7/1تاريخ 11/1/1974.

لم تنكفّ البرلمانات المتعاقبة منذ  ذلك الحين عن طرح مشاريع قوانين لتنظيم ومعاقبة التعديات على الاملاك البحرية. ففي 15/7/1992، صدر المرسوم 2522 الذي حدد الرسوم السنوية المترتبة على الترخيص لاصحاب المنتجعات. وفي العام 1993، امتنعت وزارة النقل عن اعطاء اي ترخيص جديد. وفي نهاية العام، الحق بالموازنة الجدول رقم 9 الذي رفع الغرامة عن كل مخالفة جديدة الى خمسة اضعاف الرسم المخصص له[5].

لكن ومع وصول السيد رفيق الحريري الى رئاسة مجلس الوزراء، اختلفت توجهات الطبقة السياسية الحاكمة وبدأ الحديث عن مشاريع لخصخصة الاملاك العامة فضلاً عن الكلام الدائم عن الاستدانة وفرض الضرائب والرسوم الجديدة للحد من عجز الخزينة. فأمام تفاقم ازمة الدين العام وحاجة الحكومة لتلبية مطالب العمال، خاصة فيما يتعلق بتمويل سلسلة الرتب والرواتب (1995-1998)، شكّل موضوع البت برسوم مهملة ومنسية تساهم في تعزيز واردات الخزينة احد ابرز مطالب المعارضة آنذاك. وتركزت بشكل خاص حول الاملاك العمومية البحرية المشغولة من الغير بلا رسوم منذ ما قبل الحرب. الا ان الحكومة وقفت بوجه هؤلاء ولعلّ ابرز ما قيل في هذا الموضوع جاء على لسان الحريري نفسه في حديث لجريدة النهار في 7 تموز 1995. فقد اكدّ رئيس الحكومة: "هناك طريقتان لمعالجة الاملاك البحرية. المطروح لدى الجميع هو الايجار. نحن كحكومة وكوزارة مال لدينا الرغبة ان نبيع، واذا احتاجت يوماً الدولة الى هذه الاراضي لأي سبب من الاسباب تستطيع ان تستملكها.[6]"
وفي هذه الاثناء، تشكلت لجنة وزارية برئاسة وزير الداخلية ميشال المر لاعداد مرسوم تسوية مخالفات التجاوز على الاملاك البحرية. الا ان اللجنة قدمت اقتراح قانون ينص على تعديل مواد من قانون عام 1925 واحالت من ثمّ مشروع قانون معجل على مجلس النواب بموجب المرسوم الرقم 7919[7] بتاريخ 2 شباط 1996[8]. لم يبصر المشروع النور بالطبع كما هي حال معظم المشاريع التي تحال الى مجلس النواب.

المحاولة الجدية الثانية للبت بهذا الملف جاءت من قبل وزير النقل عمر مسقاوي في نيسان 1996. فقد رأى هذا الاخير ان الرسوم المحددة على المنتجعات السياحية من جبيل الى بيروت زهيدة وغير منصفة مقارنة مع تلك التي في الشمال من جهة، كما انها لا تخدم مصلحة الخزينة من جهة أخرى. لذا، طالب مسقاوي مجلس الوزراء بالعودة الى احكام المرسوم الملغى الرقم 12841 تاريخ 25 ايار 1963 الذي ينص على مادتين اساسيتين:

الاولى تعيّن الرسوم بالاستناد الى ثمن الارض المجاورة للاملاك البحرية على اساس تقرير للجنة مشتركة بين وزارة النقل ووزارة العدل وامين السجل العقاري. والثانية تحدد قيمة التخمين بعد أخذ المساحة المشغولة من الاملاك البحرية واهمية المشاريع المقامة بعين الاعتبار.

كما نصّ مشروع مسقاوي على اعادة النظر بالبدلات كل خمس سنوات، وكذلك اعادة تنظيم الاملاك العامة البحرية غير المستثمرة[9]. لم تتبنّ الحكومة مشروع مسقاوي مع اقرارها بصوابية ملاحظاته، فيما عزا رئيس الجمهورية الياس الهرواي رفضه الى خوفه من "ان يقدم اصحاب المنتجعات على رشوة اللجنة التي ستقوم بالتخمين[10]". وعوضاً عن ذلك، دمجت الحكومة مشروع قانون تقدمت به مع اقتراح قانون كان قد تقدم به النائب اوغست باخوس لتنظيم اشغال الاملاك البحرية العائدة الى الدولة والبلديات. اعتبر يومها التنظيم المدني انه يجب هدم هذه التعديات انطلاقاً من واقع "ان البحر ملك المواطنين لا اصحاب الطرابيش" وليس تسويتها[11].

وتجدر الاشارة هنا الى انه خلال احدى جلسات المناقشات في اللجان النيابية، قدمت وزارة المال تقريرا تشرح فيه البعد المالي للمشروع، ولكن الوزير السنيورة لم يوزعه على اعضاء اللجنة واكتفى بتوضيح المعطيات التي لديه في جلسة لاحقة. برر السنيورة قراره قائلاً: "ان المهم في الموضوع كله جمالية الشاطئ اللبناني وهمّ عدم تشويهه، مع اخذ الايرادات التي يمكن أن تؤمنها تسويات تلك المخالفات لخزينة الدولة في الاعتبار." ثم قدمت وزارة النقل من خلال المدير العام للنقل البري والبحري عماد النوام تقريراً تناول طبيعة المخالفات وكيفية اشغال الشاطئ البحري خلافاً للأصول اضافة الى المبالغ التي يمكن ان تحصلها الخزينة العامة اذا سويت هذه المخالفات[12]. كما قدم نقيب المهندسين عاصم سلام اقتراحات نقابتي المهندسين في بيروت والشمال فطالب باستعمال كلمة تعديات وشدد على ضرورة "عدم تحجيم الشاطئ وعد تشويهه من الناحية البيئية، بمشاريع عشوائية والمحافظة عليه كثروة سياحية.[13]" اجتمعت اللجان من ايار حتى حزيران 1997 ودفن بعدها المشروع كما غيره.

وفي موازاة المناقشات،  اعدت مديرية الشؤون الجغرافية في وزارة الاشغال "مشروع التعديات البحرية" واوردت اسماء المخالفين وانواع التعديات واوجه استعمالها. وتبيّن من خلال هذه اللائحة ان الجميع كان متورطاً في ملف التعديات من مواطنين وسياسيين ودبلوماسيين ووزارات ومساجد وكنائس ومراكز حزبية وحتى "مجهولين عددهم ستة[14]". وبرزت اسماء العديد من الوزراء والنواب الحاليين والسابقين بالاضافة الى مشاريع سياحية كبيرة كانت قد شيّدت اثناء الحرب الاهلية. لم ينفِ احد من المعنيين المعلومات الواردة في هذه اللائحة التي سربت لاحقاً الى الاعلام الذي تداول بها كلّ مرة اثير فيها موضوع الاملاك البحرية. كما اثارت هذه اللائحة فضول بعض النواب الذين اخذوا يطالبون بنشرها واطلاع الرأي العام عليها. وفي هذا السياق، طلب النائب فيصل الداوود من وزير الدولة للشؤون المالية فؤاد السنيورة ان يزوّد مجلس النواب بالقائمة ولا سيما ان "الرأي العام يعتبر ان هناك صفقات سياسية في موضوع الاملاك البحرية ويجب ان يطلع النواب على المستأجر والمستثمر فيها." حاول السنيورة التنصل من الموضوع معتبراً ان لا اهمية للأسماء "لأن الأساس معرفة طبيعة التعديات على الاملاك البحرية.[15]"
وكان النائب وديع عقل قد تقدم في السنة عينها بإقتراح قانون يفرض رسوما على التعديات على الاملاك البحرية. وقد قدّر مجمل مداخيل هذه الغرامات بما يقارب 331 مليار ليرة سنوياً، ما يخوّل تمويل صندوق المهجرين من ناحية ويساهم في تسديد الدين العام من ناحية اخرى[16].اوضح عقل ان مشروع القانون لا يرمي الى تشريع المخالفات ولا الى تسويتها. وقد أكدّ عقل ان "ثمة مبدأ مطبقاً عالمياً يقضي بعدم جواز احتلال الاملاك العمومية، فهي تختلف تماماً عن املاك الدولة الخاصة، ولا يحق حتى للدولة ان تتخلى عنها الا بموجب نص قانوني استثنائي[17]. نام المشروع في ادراج مجلس النواب وبقي عقل ينادي وحيداً بضرورة تغريم التعديات على الشاطئ اللبناني حتى اضطر الى اللجوء الى القضاء اللبناني لمعاقبة المخالفين. لكن هذا الاخير لم يتحرك ايضاً في وجه النافذين في السلطة وخارجها[18].

وعام 1998، قدمت الحكومة مشروع قانون الموازنة ومن ضمنه مادة تجيز تأجير الشاطئ للمتموّلين مدة 50 سنة. ثار سخط المجتمع المدني ونظمت هيئات بيئية واهلية اعتصاماً كبيراً رفضاً لهذا الاجراء. وبالفعل، الغى المجلس المادة 39 من المشروع وشدد على ضرورة الحفاظ على الشاطئ كملك للجميع[19].

لم يتغير الوضع بعد انتخاب اميل لحود رئيساً للجمهورية وتشكيل الحكومة الاولى برئاسة الحص على الرغم من الوعود بمحاربة الفساد وتحسين الوضع الاقتصادي التي قطعها كلاهما. تقدمت حكومة الحص بمشروع قانون قبيل انتهاء عام 1999. وكان المشروع عبارة عن دمج بين مشاريع وزارات العدل والنقل والمال. حدد المشروع الواقع على انه مخالفة وليس تعديا كما انه لم يعيّن مدة الاشغال واعتمد البدل السنوي بدلا من الرسم او الغرامة[20]. لم يحظَ القانون بالتأييد اللازم، وتبعاً لذلك لم يبتّ فيه في مجلس النواب.

عاد الحريري الى الحكم في تشرين الاول 2000 وادرجت حكومته الثالثة في مشروع قانون الموازنة لعام 2001 المادة [21]67 التي نصت على "المعالجة المؤقتة لمخالفات حاصلة على الاملاك البحرية." لكن المادة الغيت عندما وصل المشروع الى لجنة المال النيابية حين اعتبر عدد من النواب ان المادة تساهم في شرعنة المخالفات في انتظار صدور قانون شامل[22]. وفي شهر آب 2001، قدّم مشروع قانون جديد لاقى اعتراضا شديدا من بعض الوزراء والنواب من ناحية والجمعيات المدنية من ناحية اخرى. تضمن المشروع بندا يلزم الدولة بتعويض صاحب الاستثمار في حال تعرّضه للخسارة. ولعلّ ابرز تعليق على نص القانون جاء على لسان النائب وليد جنبلاط الذي وصفه "بالمشروع الهمايوني المخيف الذي فيه استباحة كاملة للأملاك العامة البحرية والنهرية ولأيّ كان.[23]"

ثم شكل الحريري لجنة وزارية في 4 شباط 2002 لدرس مشروع قانون جديد. انجزت اللجنة مهمتها في غضون عشرة اشهر ورفعت مشروع القانون الرقم 19/1الى مجلس الوزراء في 18 كانون الاول 2002. تضمن المشروع شرحا حول التعديات القابلة للمعالجة، اجراءات المعالجة، الرسوم والغرامات المتوّجبة لمعالجة اوضاع الشاغلين، المخالفات التي لم تتمّ تسويتها والغاء التسويات المخالفة للقانون. وتجدر الاشارة هنا الى انه جاء ضمن الاسباب الموجبة للمشروع على ان "هذه الاملاك معدّة مبدئياً لانتفاع جميع المواطنين مشتركاً ومجانياً، وان الوضع الحالي للشاطئ يشكل واقعاً مخالفاً للقوانين لا بدّ من الخروج منه، وخصوصاً اقفال الشاطئ في وجه الآخرين[24]". المشروع كما جميع المشاريع التي تقدمت قبله لم يتخطّ مناقشات مجلس النواب. وما زال المشهد عينه يتكرر عند كلّ مناسبة يعاد من خلالها فتح مسألة التعديات على الاملاك البحرية، آخرها خلال معركة هيئة التنسيق النقابية مع الدولة لإقرار سلسلة الرتب والرواتب (2011 – 2014).

يتمركز اكثر من نصف اللبنانيين في ابنية سكنية شيّدت على طول الشاطئ. تضاف اليهم المشاريع السياحية التي انتشرت بكثافة في السنوات الاخيرة والتي نهشت ما تبقى من المساحات العامة البحرية. فقد سجلت وزارة الاشغال بين عامي 2011 و2012 61 تعدياً على اكثر من 4000 متر مربع من الاملاك البحرية[25]. وامام هذا الواقع، تغيّرت ملامح الشاطئ بشكل كبير فأضحى مكاناً تعمّه الفوضى بفعل البناء العشوائي والتجمعات المكتظة. وفي ظلّ غياب ايّ خطة جدية لتسوية هذه المخالفات ولتنظيم المنشآت، اصبح الشاطئ مكاناً محروماً على اللبنانيين، تتحكم به رؤوس الاموال وتحتكره لمنافعها الخاصة. وهذه المشاكل لا تعالج الا بنص تشريعي يأخذ بعين الاعتبار المعطيات الاجتماعية والاقتصادية والبيئية ويحمي بالتالي المصلحة العامة. وقضية الاملاك البحرية اليوم ليست فقط قضية قانونية واقتصادية وبيئية، بل هي ايضاً قضية وطنية مرتبطة بشكل وثيق بعلاقة الانسان بأرضه. فإقفال الشاطئ امام اللبناني هو بشكل اساسي انتهاك لحق هذا المواطن بالانتماء الى ارض، حرم حتى من التمتع بمياهها.
 

 

source
http://legal-agenda.com/article.php?id=1025&folder=articles&lang=ar