أهداف التنمية المستدامة ودور البرلمانات

صورة AGORA administrator

أهداف التنمية المستدامة ودور البرلمانات:

كي تلاقي أهداف التنمية المستدامة النجاح، يجب توفير التنفيذ القانوني على المستوى الوطني. ومن المتوقع أن تعزز البرلمانات أهداف التنمية المستدامة لما تعكسه من احتياجات الشعوب وتطلعاتها. ويتمكن البرلمانيون من تنفيذ ذلك من خلال صياغة القوانين والإشراف على التنفيذ الحكومي لهذه القوانين والسياسات الوطنية والخطط الاستراتيجية. وفي المقابل، من المتوقع أن تتولى الحكومة رفع التقارير إلى البرلمان.

ونظرًا لهذه المسؤوليات، تلعب البرلمانات دورًا رئيسيًا في ضمان نجاح  خطةأهداف التنمية المستدامة. بينما تختلف الدول في الأنظمة البرلمانية، إلا أنها جميعها تحتاج إلى موافقة البرلمان على التشريعات المتعلقة بـأهداف التنمية المستدامة. ونتيجة لذلك، يعتمد الأفراد في جميع أنحاء العالم الآن على برلماناتهم للمصادقة على جدول عمل ما بعد العام 2015، وترجمته إلى تشريع عملي سليم.

ونظرًا للأهمية الكبيرة للدور الذي يقوم به البرلمان في تنفيذ أهداف التنمية المستدامة، تشارك البرلمانات بنشاط في صياغة هذه الأهداف، من بين غيرها من خلال مشاركتها بفعالية في المؤتمرات والأحداث العالمية ذات الصلة. على سبيل المثال، في 27 آذار/مارس 2013، في جمعية الاتحاد البرلماني الدولي IPU رقم 128 في كيتو، الإكوادور، ساهم البرلمانيون من جميع أنحاء العالم في النقاش العالمي لخطة التنمية لما بعد العام 2015 من خلال نشر بيان كيتو. ونظرًا لأهمية التعاون البرلماني، يتعلق بيان كيتو بدعوة البرلمانات إلى العمل في جميع أنحاء العالم لتمرير تشريعات تدعم أهداف التنمية المستدامة.

في نهاية آب/أغسطس 2015، وأثناء انعقاد المؤتمر العالمي الرابع لرؤساء البرلمانات، أكد رؤساء البرلمانات عن دعمهم لأهداف التنمية المستدامة ورغبتهم في تنفيذها بشكل فعّال من خلال البرلمانات الوطنية. كما ظهرت مشاعر مماثلة في مؤتمر برلماني دولي تستضيفه الرابطة البرلمانية للكمنولث بالمملكة المتحدة وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي. وجرت المشاركة البرلمانية السابقة أيضًا أثناء جلسة برلمانية بعنوان "ضمان نهج محوره الإنسان في أهداف التنمية المستدامة الجديدة: مسؤولية مشتركة" في تشرين الثاني/نوفمبر 2014.

"في كل مرة يتم فيها سن أحد القوانين، يستطيع أعضاء البرلمان لفت الانتباه إلى ما إذا كان يتفق مع أهداف التنمية المستدامة، ووضع التعديلات إذا لم يكن كذلك. وتستطيع اللجان البرلمانية كذلك ضمان التزام الوزراء والمسؤولين من خلال إجراءات التدقيق بالتقدم الوطني على أساس أهداف التنمية المستدامة. كما يمكن للبرلمانيين، تمثيلاً لأولئك الذين انتخبوهم، ضمان حوار مستمر مع المجتمع المدني حول هذا التقدم.

هيلين كلارك، مديرة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي

كلمة أمام المؤتمر العالمي الرابع لرؤساء البرلمانات

تحدد النقاط التالية القنوات والآليات الرئيسية التي يمكن من خلالها للبرلمانات ضمان تنفيذ أهداف التنمية المستدامة:

أ. سن القوانين

تتمتع البرلمانات الوطنية للدول الأعضاء في الأمم المتحدة بصلاحية سن التشريعات والموافقة على الاتفاقيات الدولية. ويجب على البرلمانات استخدام هذه الصلاحية لتسهيل تنفيذ أهداف التنمية المستدامة، أولاً من خلال اعتماد هذه الأهداف وثانيًا من خلال سن تشريعات جديدة أو اقتراح تعديلات على التشريعات القائمة – تشريعات تتوافق مع خطة أهداف التنمية المستدامة.

ومن المهم الإشارة إلى أن اعتماد أهداف التنمية المستدامةلا يجعل منها مُلزمة للدول الأعضاء في الأمم المتحدة. فكل بلد يحتاج إلى المُضي قُدمًا في اعتماد المبادئ الرئيسية في التشريعات الوطنية، أو - حيثما كان ذلك ممكنًا أو ضروريًا - في الدستور. وتدور معظم أهداف التنمية المستدامة حول حقوق الإنسان الأساسية، حيث يعكس ترسيخها في الدستور التزام الدولة بحماية حقوق الإنسان.

الدستور التونسي

بإضافة الحق في الحصول على مصدر مياه نظيف في فصل الحقوق الأساسية في الدستور، على سبيل المثال، ستلتزم الدولة بتوفير مصدر نظيف من الماء لكل فرد ومواطن، وهذا ما قام به المشرعون في تونس، حيث تنص المادة 44 من الدستور التونسي على ضمان الحق في المياه. علاوة على ذلك، تكفل المادة 45 الحق في التعليم والتأمين الصحي. ويستطيع كل برلماني على حدة اقتراح تشريعات جديدة في هذا الاتجاه. وفي نهاية المطاف، تقع على عاتقهم مسؤولية تمثيل احتياجات ومصالح شعوبهم. وثمة مثال رائد في هذا النطاق يتمثل في الدستور التونسي لعام 2014. حيث تضع المادتان 44 و45 مسؤولية الحفاظ على مصادر المياه على عاتق الدولة، وتُلزم الحكومة بالعمل على القضاء على أسباب تغير المناخ في تونس.

ب. الرقابة البرلمانية

  يتجسد الدور الرئيسي للبرلمان وتتجسد مسؤوليته في مراقبة عمل الحكومة وإنجازاتها. ويستعرض البرلمان كل عام الميزانية الوطنية، ويدرس اعتمادات الميزانية والأولويات المقترحة من قبل الحكومة. ويعتمد البرلمان الميزانية، ويخصص الأموال اللازمة لكل مؤسسة من مؤسسات الدولة وفقًا للخطط والاستراتيجيات المكلف بتنفيذها في تلك السنة. وبدورها، ترفع الوزارات تقاريرها إلى البرلمان، وتحدد الكيفية التي تسهم بها نفقاتها في أولويات السياسة التي يؤيدها البرلمان.

ويتمثل الدور الآخر للبرلمانات ومشؤوليتها في مراقبة عمل الحكومة وانجازاتها. يمكن لهذا أن يحدث عادةً في خلال فترة المساءلة، عندما يتمكن النواب من طرح الأسئلة على الحكومة والوزراء كل على حدة ورئيس الوزراء بشأن الاستراتيجيات والإنجازات. كما تعتبر فترة المساءلة أيضًا فرصة كبرى لاستطلاع الحقائق والإحصاءات. ومن خلال القيام بذلك، سيحصل النواب على نظرة عامة أفضل عن الوضع في البلاد، تسمح لهم باتخاذ قرارات مستنيرة بشأن أولويات وأهداف المستقبل. وفي حال أهداف التنمية المستدامة، سيفيد النقاش والاستجواب في معرفة أكثر الأهداف أهمية. ثم يمكن للنواب تقديم التوجيه فيما يتعلق بالخطط وجداول العمل المطلوبة لتحقيق هذه الأهداف بحلول الموعد النهائي المتفق عليه في العام 2030.

ج. المناقشات

عادةً ما تلفت المناقشات البرلمانية انتباه وسائل الإعلام. ففي كل برلمان يوجد نظام داخلي حول كيفية البدء في النقاش، ولكن جميع البرلمانات تقريبًا تتيح للنواب امتياز بدء النقاش. كما أنها تتيح أيضًا للنواب فرصة اقتراح، أو الإشارة إلى، أو الاعتراض أو الموافقة على أي جدول عمل أو خطة قيد المناقشة.

ونظرًا لاهتمام وسائل الإعلام بالمناقشات العامة رفيعة المستوى، يمكن للنواب استخدام هذه المناسبات لغرضين رئيسيين. أولاً، يمكن للمناقشات العامة تحفيز نقاش عام أوسع نطاقاً أو مناقشة لأهداف التنمية المستدامة. هذه هي الفرصة التي تسنح بإطلاع المواطنين على دور البرلمان والحكومة في تنفيذ أهداف التنمية المستدامة. كما يمكنها أيضًا فتح باب النقاش مع منظمات المجتمع المدني، وهي - كما ذكرنا سابقاً – صاحب المصلحة الأهم في أي استراتيجية للتنفيذ. ثانيًا، يستطيع البرلمانيون اغتنام هذه الفرصة للقيام بحملة لقوانين أو تعديلات محددة يقترحونها. وفي معظم الحالات، ومع ذلك، تكون هذه الجهود من قبل طرف أو مجموعة، وليس نواب فرديبين.

د. جلسة استماع اللجان

ينبغي تناول أهداف التنمية المستدامة على مستوى اللجان. حيث يسمح التركيز القطاعي للجان للنواب بطلب الخبرة في موضوع معين، وطلب معلومات ورد فعل محدد. وتختار معظم البرلمانات معالجة أهداف التنمية المستدامة المختلفة في اللجنة المختصة. وبذلك يسمح توافر المعرفة والخبرة القطاعية بمتابعة التقدم المحرز في تنفيذ أهداف التنمية المستدامة المحددة، وذلك بالتنسيق مع الوزارات والإدارات الحكومية المعنية. وتضم بعض اللجان الأكثر ملائمة لجان التنمية والطاقة والموارد الطبيعية والأسرة والطفل والصحة والبيئة ولجنة الثقافة والتعليم.

ترينداد وتوباغو

في ترينيداد وتوباجو، أسس البرلمان لجنة مختارة مشتركة جديدة حول البيئة والتنمية المستدامة.

 

هـ. التعاون الحزبي الشامل

من المرجح تنفيذ أهداف التنمية المستدامة من خلال العمل الجماعي والجهود المشتركة. ويمكن للنواب من مختلف الأحزاب ممن يتقاسمون اهتمام مشترك في أهداف التنمية المستدامة، أو في هدف واحد محدد، توحيد القوى وإنشاء مجموعة حزبية شاملة كمنصة لمناقشة هذه الأهداف ودعمها.

 

ممارسات حسنة

كما يمكن أيضًا إنشاء تكتل سياسي لنفس الأمر، حيث يجتمع أصحاب التفكير الواحد معًا لمناقشة أهداف التنمية المستدامة والعمل على أي منها. وهذا سيلفت انتباه النواب الآخرين – خاصةً من يبحثون عن مثل هذه الجماعات أو التكتلات لإيجاد مكان استراتيجي لهم داخل البرلمان. فعلى سبيل المثال في تموز/يوليو 2015، شكل النواب في زامبيا تكتل أهداف التنمية المستدامة، يدل على نية جادة من جانب البرلمانيين إلى اتخاذ إجراء بشأن التنمية على المستوى الوطني. وفي باكستان، تأسست فرقة العمل على أهداف التنمية المستدامة في الجمعية الوطنية لتعزيز المناقشات، والمشاركة وزيادة وعي النواب بـشأن هذه الأهداف.

وأسس البرلمان الألماني (البوندستاغ) المجلس الاستشاري البرلماني للتنمية المستدامة مُستخدمًا في ذلك كل سلطة تشريعية. تتمثل مسؤوليات المجلس في رصد ودعم الاستراتيجية الوطنية للاستدامة للحكومة الاتحادية فضلاً عن رصد ودعم سياسة الاستدامة للحكومة الاتحادية على الصعيد الأوروبي، وذلك من بين إجراءات أخرى.

و. المخاوف المالية والميزانية

دون دعم من النواب، لن تتلقى خطة أهداف التنمية المستدامة الموارد المالية اللازمة من الدولة لتحقيق أهدافها، ما سيتسبب في إحباط الأفراد، ومن المرجح أن يُجمد ذلك عملية التنمية. بناءً عليه، ينبغي على النواب تحمل مسؤولية إعلان ميزانية مناسبة تساعد على التنفيذ السريع والسلس لخطة أهداف التنمية المستدامة. فمن المهم وضع أهداف التنمية المستدامة على جدول أعمال البرلمان في المراحل الأولى من مشاورات ومناقشات الميزانية. وقد أصبح البرلمانيون في الوقت الراهن على بينة من أهداف التنمية المستدامة ويمكنهم تكريس جزء من الميزانية الوطنية كل عام لتنفيذ هذه الأهداف. فالتوقيت المثالي لقيام النواب بتناول القضية في جلسات البرلمان والدعوة للحصول على حصة مناسبة من الميزانية لصالح أهداف التنمية المستدامة يكون قبل اعتماد الميزانية السنوية.

 

للعثور على مزيد من المعلومات حول دور قطاع الأعمال في تحقيق أهداف التنمية المستدامة  انظر هنا 
للمزيد من المعلومات حول دور قطاع العمارة في تحقيق أهداف التنمية المستدامة اضغط هنا 
الورقة البيضاء حول دور قطاع الأعمال في تحقيق أهداف التنمية المستدامة انظر هنا 

المملكة المتحدة

على سبيل المثال، أصدر البرلمان في المملكة المتحدة قانونًا ينص على التزامها بإنفاق 0.7٪ من الدخل القومي الإجمالي (إجمالي الناتج القومي) على المساعدة الإنمائية الرسمية (ODA) سنويًا (آذار/مارس 2015).

 

ز. المجتمع المدني والقطاع الخاص

تمثل منظمات المجتمع المدني أيضًا اهتمامات ومصالح الشعب. وتمثل دعوة منظمات المجتمع المدني والقطاع الخاص والمستثمرين خطوة هامة لتنفيذ أهداف التنمية المستدامة. فهذا التعاون ضروري أيضًا لتمويل التنمية المستدامة. وفي بعض البلدان، تحتاج البرلمانات إلى دعم مالي من القطاع الخاص، وفقًا لما جرت مناقشته في محادثات جدول أعمال أديس أبابا حول تمويل أهداف التنمية المستدامة 3، 4.

تعتبر الأمم المتحدة القطاع الخاص والمستثمرين والأكاديميين والمؤسسات شركاء في التغيير وتحقيق التنمية. لذلك، يمكن للبرلمانات الاستفادة من هذه الشراكة أكثر إذا تمت دعوة الهيئات الحكومية الدولية لعرض أعمالها ووجهات نظرها حول التنمية. ثانيًا، يمكن للبرلمانات تسهيل الاستثمارات والتعاون من خلال التشريعات لصالح التجارة العادلة.

ح. التعاون مع السلطة التنفيذية

يتطلب دمج جدول أعمال أهداف التنمية المستدامة في الاستراتيجيات الوطنية القائمة تعاون فيما بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، والتي يمكن للحكومة ومؤسسات الدولة الأخرى من خلالها توفير الدعم العملي والتقني لجدول الأعمال الذي أقره البرلمان. وفي كولومبيا، على سبيل المثال، كان جدول أعمال أهداف التنمية المستدامة محورًا رئيسيًا في السياسة الخارجية على مدى العامين الماضيين. وقد سعت الحكومة إلى خلق مواءمة بين التزاماتها الدولية وأولويات التنمية الوطنية لديها، وأنشئت لذلك لجنة وزارية مشتركة لمتابعة تنفيذ أهداف التنمية المستدامة في شباط/فبراير 2015، حتى قبل الاتفاق على أهداف التنمية المستدامة. وفي ألمانيا توجد اللجنة الوزارية بالدولة للتنمية المستدامة، وهذه اللجنة تابعةللمستشارية الاتحادية، الكيان الرئيسي المسؤول عن التنمية المستدامة على المستوى الوطني. وتتعاون اللجنة بشكل وثيق مع الوزارات لصياغة وتنفيذ استراتيجية وطنية للتنمية المستدامة.

ط. التعاون الدولي والمؤتمرات

من أجل تنفيذ أهداف التنمية المستدامة ، يجب أن نظل على علم بما يحدث اليوم وإلى أين تتجه الخطة. ويتحقق ذلك بكوننا جزءًا من شبكة دولية تعمل على أهداف التنمية المستدامة ، وبالمشاركة في الشبكات والمنظمات التي تقدم الدعم لخطة أهداف التنمية المستدامة. وتشمل هذه الاتحاد البرلماني الدولي (IPU)، والرابطة البرلمانية للكومنولث (CPA)، والشبكات الإقليمية مثل الجماعة الإنمائية لجنوب أفريقيا (SADC)، والمنتدى البرلماني أو المنتدى البرلماني في آسيا والمحيط الهادئ 5، والمنتدى الحكومي الدولي العالمي السياسي رفيع المستوى للتنمية المستدامة (HLPF)6، الجمعية العامة للأمم المتحدة للبيئة لـUNEP  (UNEA) والشبكة الأوروبية للتنمية المستدامة (ESDN). على سبيل المثال، في أيار/مايو 2015 اعتمد البرلمان الأفريقي الإعلان البرلماني الأفريقي لما بعد العام 2015، مؤكدًا التزامه بالتعاون من أجل تحقيق أهداف التنمية المستدامة في المنطقة.

"يستطيع البرلمانيون لعب دور محوري في إعادة التفكير في الطريقة التي يتم بها إنتاج السياسات وتنفيذها. ويمكنكم المساعدة في توجيه البرامج الوطنية نحو أهداف التنمية المستدامة. يمكنكم نقل وجهات نظر وطموحات مواطنيكم إلى الساحة العالمية. من خلال المساعدة الإنمائية الرسمية والموارد المحلية، ويمكنكم التأكيد على حصول جهود التنمية المستدامة على التمويل الذي تحتاج اليه. كما يمكنكم تعزيز المساواة بين الجنسين في شعوبكم. بكل هذه الطرق، ويمكن للبرلمانيين دفع حملتنا العالمية لاستهلال مستقبل أكثر إنصافًا واستدامة" 7.

بان كي مون، الأمين العام للأمم المتحدة

 

 

[2] https://sustainabledevelopment.un.org/hlpf/2015

[3] Ban Ki-Moon, Message to the International Parliamentary Conference on the Post-2015 Development Agenda, 26 Nov 2013