وظيفة البرلمان الرقابية

صورة AGORA administrator

تعتبر الرقابة البرلمانية حجراً أساساً في البرلمانات الديمقراطية، إذ تشكل مؤشراً على الحكم الجيد. وهي تهدف إلى مساءلة السلطة التنفيذية حول أعمالها، وإلى ضمان تنفيذ السياسات بطريقة فعّالة. فالرقابة البرلمانية الدقيقة للسلطة التنفيذية مؤشر على سلامة الحكم. وإلى جانب وظيفته التشريعية، يتمكّن البرلمان من تحقيق توازن القوى وتعزيز دوره كمدافع عن المصلحة العامة. ففي الأنظمة الديمقراطية القديمة والحديثة يتمتع البرلمان بالسلطة التي تخوّله الإشراف على الحكومة من خلال عدد من الأدوات والآليات غالباً ما يتم تحديدها من خلال الدستور ونصوص تنظيمية كالأنظمة الداخلية للبرلمان. وتقوم الطريقة التي يمكن للبرلمان من خلالها استخدام صلاحياته الرقابية على وجود إطار قانوني يعزز موقفه كمؤسسة رقابية ويضمن له سلطته واستقلاليته في إطار النظام السياسي.
لذا، عندما يكون إصلاح بنية النظام السياسي لزيادة القدرة الرقابية للبرلمان من خلال الدستور غير ممكن دائماً، يمكن للبرلمانات في بعض الأحيان تحسين قدراتها الرقابية عبر إصلاح أنظمتها الخاصة. فعلى سبيل المثال، يكون من المفيد بالنسبة إلى أنظمة اللجان أن تخصص لجنة واحدة لكل وزارة في الحكومة. فإن سمحت الميزانية البرلمانية بهذه الإصلاحات، عادة ما يقع تنفيذها ضمن نطاق سلطة البرلمان.

أهداف الرقابة البرلمانية
تقوم البرلمانات بوظيفة رقابية بغية:

- تأمين شفافية عمل السلطة التنفيذية وانفتاحها. إذ يسلط البرلمانيون الضوء على أعمال الحكومة من خلال مجال عام تتم في سياقه مناقشة سياسات وأعمال الحكومة، إلى جانب التدقيق فيها وعرضها أمام الرأي العام;
- مساءلة السلطة التنفيذية. إذ تسمح الرقابة البرلمانية بالتدقيق فيما إذا كانت سياسات الحكومة تطبق وإذا كانت تؤدي الأهداف المرجوّة;
- ضمان المحاسبة المالية. إذ يدقق البرلمان في الإنفاق الحكومي ويصادق عليه من خلال منع الإسراف في نفقات الخدمات التي تمولها الدولة. ويهدف ذلك إلى تحسين إقتصاد وفعالية نفقات الحكومة,
- تعزيز حكم القانون. إذ على البرلمان أن يحمي حقوق المواطنين من خلال مراقبة السياسات ودراسة أي إمكانية للإساءة إلى السلطة أو أي سلوك تعسّفي أو أي عمل غير قانوني أو غير دستوري تقوم به الحكومة.

آليات ومنهجيات الرقابة البرلمانية

تمتلك البرلمانات مجموعة من الأدوات التي تمكّنها من إتمام عملية المراقبة. وتتضمن أكثر هذه الأدوات شيوعاً: الأسئلة الموجهة إلى الوزراء (مكتوبة أو شفهية)، الإستجواب، والتصويت على حجب الثقة، فيما تتضمن الآليات الأخرى منهجيات مرتبطة بمراقبة الموازنة والمحاكمة وإمكانية البرلمان إنشاء لجان مخصصة، ولجان التحقيقات، أو مكتب أمين المظالم. وفي ما يلي وصف لعديد من الأدوات:

  1. تشكل جلسات الإستماع، إن في الجلسات العامة أو في إجتماعات اللجان، أداة هامة جداً للبرلمان تمكّنه من الحصول على المعلومات المتعلقة بسياسات أو مواضيع محددة. وعادة ما تقوم غالبية البرلمانات بجلسات إستماع، إلا أنه لكل من هذه البرلمانات قدرة محددة على إجبار المواطنين للإدلاء بشهاداتهم.

  2. أما بالنسبة إلى التصويت على حجب الثقة، أو الإقتراح بتوجيه اللوم، فهو اقتراح يقدمه البرلمانيون وينتج عنه إما سحب ثقة البرلمان في الحكومة أو في أحد وزرائها أو منحها هذه الثقة. وعندما يحجب البرلمان الثقة عن الحكومة، عادة ما تقدم هذه الأخيرة استقالتها أو تسعى إلى حل البرلمان. وفي بعض الدول يؤدي سحب الثقة إلى عملية يطلب فيها رئيس الدولة إما إستقالة الحكومة أو حل البرلمان. وعندما تسحب الحكومة ثقتها من وزير واحد، عادة ما يقدم هذا الأخير استقالته، علماً أن هناك العديد من الآليات التي يتم التصويت على حجب الثقة في سياقها.

  3. وفي ما يتعلق بالاستجواب فهو عبارة عن عملية يلجأ إليها البرلمانيون للحصول على تبرير حول سياسة معينة من عضو في الحكومة أو، في بعض البلدان، من كافة أعضاء الحكومة. وقد ينتج عن هذه العملية نقاش موسع حول السياسة المحددة، أو تصويت مع أو ضد المسألة المطروحة. ومن الممكن أيضاً أن يلي الاستجواب اقتراحاً بتوجيه اللوم.

  4. وتستخدم الأسئلة البرلمانية عامة بصفتها أداة رقابية، فهذه الأسئلة تهدف إلى توضيح سياسات الحكومة أو مناقشتها، وقد تؤدي إلى استجواب في حال لم يتم التوصل إلى إجابة مرضية. وبغية الإشراف على السلطة التنفيذية بشكل سليم، على أعضاء البرلمان أن يدركوا جيداً سياسات السلطة التنفيذية ووزاراتها. كما أن إجابات الحكومة على أسئلة البرلمان قد تؤدي إلى نشر معلومات قيمة جداً. وعادة ما يتم طرح الأسئلة كتابياً أو شفهياً، على الرغم من أن جلسة الأسئلة والأجوبة الشفهية من شأنها أن تؤدي إلى شحن الأجواء والسماح بالأخذ والرد بين الطرفين. من هنا فإن تنظيم مثل هذه الجلسات ضروري جداً لضمان الرقابة البرلمانية الفعّالة.

  5. أما بالنسبة إلى لجان التحقيقات فهي عادة لجان برلمانية مؤقتة أو لجان أنشأت للقيام بتحقيقات دقيقة حول مواضيع محددة ذات أهمية عامة. وعادة ما تحظى هذه اللجان بقدرة الوصول إلى المعلومات أكثر من اللجان الأخرى. وقد تتضمن صلاحياتها استدعاء الشهود للإدلاء بشهاداتهم مع أداء القسم، ومواجهة شاهد مع الآخر، وطلب أو أخذ مستندات، إلى جانب الأمر بالقيام بالأبحاث، وتنظيم زيارات ميدانية وغيرها من الصلاحيات. ولا بد من الإشارة إلى أن بعض الدول قد تعطي هذه اللجان الصلاحيات عينها التي يحظى بها القاضي الذي يقوم بتحقيقات قضائية. وتعتبر لجان التحقيق من الأدوات الرقابية الشائعة في البرلمانات حول العالم، وقد تستخدم للتحقيق في قضايا كبرى كالفساد وسوء استخدام السلطة.

  6. وتشكّل الرقابة على الموازنة أداة يلجأ إليها البرلمانيون لتأمين المحاسبة المالية. ففي العديد من الدول يمكن لأعضاء البرلمان أن يعدلوا الموازنة أو حتى أن يصيغوها بأنفسهم. وحتى إذا لم يردّ البرلمان رفض سياسات السلطة التنفيذية، تشكل القدرة على تغيير أولويات نفقات السلطة التنفيذية آلية أخرى للرقابة. إلا أن القوانين المالية الأساسية أو غيرها من القوانين التي تحكم الطريقة التي يراقب فيها البرلمانيون الموازنة من شأنها أن تحد من التغييرات التي يمكن لأعضاء البرلمان هؤلاء أن يقوموا بها على الموازنة.

  7. وتسهل المؤسسات العليا لمراجعة الحسابات، مثل مراجع الحسابات العام أو هيئة مراجعة الحسابات (في دول الكومنولث)، أو ديوان المحاسبة (في الدول الفرنكوفونية) عملية مراقبة الموازنة، فهي تلعب دور "المراقب" وتنقل ما تتوصل إليه إما علناً أو مباشرة إلى البرلمان. وتدير مؤسسات التدقيق العليا هذه كيفية استخدام الحكومة للمحفظة العامة وتبليغ البرلمان بملاحظاتها. وفي دول الكومنولث، يقدم مراجع الحسابات العام تقريراً إلى لجنة الحسابات العامة التي تدقق في هذا التقرير وترفع توصياتها بعد ذلك.

  8. وفي معظم الدول يعيّن البرلمان أمراء المظالم للقيام بتحقيقات السلطات العامة بناءً على شكاوى أو طلبات البرلمان. وعادة ما يدقق أمراء المظالم لمعرفة ما إذا كان عمل الإدارات أو الإجراءات المخالفة تتوافق مع مبادئ الحكم السليم. من هنا، هم يلعبون دوراً هاماً في دراسة شفافية وانفتاح الحكومة. ويحاول أمراء المظالم أن يجدوا حلولاً عملية للمشاكل التي يتولوها، فيقومون بالمصالحة بين الشعب والسلطات.

  9. وفي القوانين الداخلية لبعض البرلمانات يتم تأمين اللجان الدائمة المختصة للإشراف على الحكومة بشكل تلقائي في ما يتعلق بالأمور الحساسة جداً مثل الأمن القومي والدفاع وسياسات المشتريات العسكرية. وتعتبر القدرة على مراجعة أسماء المعيّنين في السلطة التنفيذية والموافقة عليها من السلطات التي تسمح للبرلمانيين بالتدقيق في المعينين في المراكز العليا في السلطة التنفيذية والقضائية وما إلى ذلك.

تعزيز وظيفة البرلمان الرقابية

من المهم جداً بالنسبة إلى الإطارين المؤسساتي والقانوني للبرلمان تشجيع الأعضاء على استخدام صلاحياتهم الرقابية بفعالية تامّة. وإلى جانب تجهيز أدوات الرقابة، على هذا الإطار أن يؤمن استقلالية المؤسسة البرلمانية وحصانة أعضاء البرلمان. فهذه الحماية تسمح لأعضاء البرلمان بتحدي السلطة التنفيذية دون خوف من التعرض لشخصهم. إلى جانب ذلك، على الإطار القانوني للبرلمان أن يتضمن حقوقاً مثل الوصول إلى المعلومات التي تعطيهم القدرة على القيام بتحقيقات تصب في قلب الحكومة.

حتى في سياق هذه الوظيفة، يمكن لطبيعة العلاقة بين البرلمانيين والمواطنين أن تؤثر بشكل كبير على دوافع أعضاء البرلمان لتأدية وظيفتهم الرقابية بشكل فعّال. على سبيل المثال، في الأنظمة الإنتخابية التي يحدد فيها القادة السياسيون من يحتل المناصب العليا في اللائحة الإنتخابية للحزب قد يدفع ذلك بالأشخاص الذين يحتلون المقاعد الأخرى بالعمل دون فعالية. وعندما يعتمد إعادة انتخاب أعضاء البرلمان بشكل كامل على قرار قادة الأحزاب، فمن غير المألوف أن يخرجوا عن قرار قادة أحزابهم. أما في الأنظمة التي يحدد فيها الحزب مرشحيه وفق التصويت، فذلك قد يسمح لعضو البرلمان بالتمتع بحرية أكبر لمحاسبة حزبه وقادة الحكومة.