المؤسسات البرلمانية

صورة AGORA administrator

 

في الأنظمة السياسية الديمقراطية، تعمل البرلمانات وفق ثلاث وظائف رئيسة: سن القوانين، والرقابة والتمثيل. وبما أنّ البرلمانييّن هم من يسنّون القوانين، فإنهم مسؤولون عن تحديد القواعد التي تحكم المجتمع وصياغتها. أما في سياق وظيفة الرقابة، فهم يراقبون السلطة التنفيذية ويحرصون على تطبيق وتحديد السياسات وفق القانون. وبالنسبة لكونهم ممثلي المواطنين، فالبرلمانيون يعبّرون عن وجهات نظر وأفكار ناخبيهم ويتأكدون من انعكاسها على السياسات والنقاشات التي تدور في المجتمع.

ولا بدّ من الإشارة إلى وجود أربعة عناصر رئيسية تساعد على تحديد كيفية تنفيذ البرلمانيون لهذه الأعمال. أولاً، إطار قانوني ومؤسساتي يحدّد صلاحيّات البرلمان المتصلة بالسلطة التنفيذية والتشريعية، كما يحدّد الأدوات والمنهجيات التي يمكن للبرلمان استخدامها لتنفيذ صلاحياته. ثانياً، إن اللجان، في العديد من البرلمانات، هي المنتديات الرئيسية لمناقشة السياسات والقيام بأنشطة المراقبة. من هنا، فإن وجود نظام لجان قوي مهمّ جداً في تحديد فعالية البرلمان في تنفيذ صلاحياته. ثالثاً، تقوم البرلمانات القوية على بنية تنظيمية. ومن أجل أن يؤدي البرلمانيون عملهم بفعالية، على الإدارة البرلمانية أن تكون قادرة على إمدادهم بالدعم والمعلومات التي هم بحاجة إليها. وأخيراً، تلعب الأحزاب والمجموعات السياسية دوراً هاماً في تحديد المواقف والقرارات التي يتخذها البرلمانيون حول طريقة وزمن استخدام الصلاحيات الممنوحة لهم في البرلمانات.

إطار العمل المؤسساتي وإطار العمل القانوني
تُستمدّ الخصائص المميّزة للبرلمنات عادة من دستور البلاد الذي ينصّ على صلاحيات وشراكات المؤسسات السياسية. وتتجزأ تفاصيل هذه العلاقات من خلال اعتماد إطار عمل قانوني أوسع وقواعد البرلمان الداخليّة. ويحدّد إطار العمل القانوني إلى جانب الإطار المؤسساتي البنية الأساس للبرلمان (على سبيل المثال، ما إذا كان البرلمان بغرفة واحدة أو ثنائي الغرف)، كما يوضح الأدوات التي يمكن لهذا البرلمان استخدامها لتنفيذ وظائفه، إضافة إلى العديد من العوامل الأخرى. كما يحدّد هذان الإطاران البنية الديمقراطية العامة (مثل القانون الإنتخابي وحرية الوصول للمعلومات وحرية الإجتماع، وحرية وسائل الإعلام، وغيرها) والحقوق الأساس التي يتمتع بها البرلمان وأعضاؤه (على سبيل المثال التحكم بموازنة البرلمان، وحصانة أعضاء البرلمان، إلخ). وتجدر الإشارة إلى أن بنية الإطارين القانوني والمؤسساتي للبرلمان تشكل عاملاً مهماً في تحديد دوافع أعضاء البرلمان في تنفيذ الوظائف التي تفرضها مناصبهم.

سنّ القوانين
عتبر عمليّة سن القوانين أو التشريع عاملاً رئيسياً في عمل البرلمان. وإن تم طرحها أولاً من قبل السلطة التنفيذية أو جرت صياغتها من قبل أعضاء البرلمان بصفتهم ممثلي الشعب، فتقع على عاتق هؤلاء مسؤولية دراسة التشريعات والتصديق عليها. ولا بدّ من الإشارة إلى أن تحمل هذه المسؤوليات ليس بالأمر السهل، فمع تعقيدات المجتمع العصري ومع تفصيل المواضيع القانونية، تتطلب البرلمانات معرفة وخبرة في مجالات تقنية متعددة. إضافة إلى ذلك، يتطلب الكيان البرلماني القوي دعماً إدارياً يمكّن أعضاء البرلمان من تأدية وظائفهم التشريعية. ويتضمّن هذا الدعم تأمين الخبرات وأعداد الأبحاث حول التشريعات وقرارات المحاكم في مجالات قانونية محددة، إلى جانب مساعدة أعضاء البرلمان على صياغة القوانين. وعندما تقدّم السلطة التنفيذية التشريع، غالباً ما يكون على الإدارة البرلمانية أن تحضّر أعضاء البرلمان لمناقشة القانون وتعديله.

الرقابة البرلمانية
تعتبر الرقابة البرلمانية حجراً أساساً في البرلمانات الديمقراطية، إذ تشكل مؤشراً على الحكم السليم. وهي تهدف إلى ضمان محاسبة الحكومة على السياسات التي تطبقها، إذ تقوم على المراقبة الواسعة لعمل السلطة التنفيذية من خلال ممثلي المواطنين. وإلى جانب وظيفته التشريعية، يتمكن البرلمان من تحقيق توازن القوى وتعزيز دوره كمدافع عن المصلحة العامة.

التمثيل
تتجلى وظيفة البرلمان التمثيلية في دوره كمساحة يتم فيها التعبير عن مختلف الآراء حول الأمور المحلية والوطنية ومناقشتها، وصولاً إلى ترجمة هذه النقاشات إلى سياسات. وبالنسبة إلى أعضاء البرلمان، يتطلب التمثيل الفعّال إقامة حوار مع ناخبيهم بهدف فهم آرائهم وتطلعاتهم واستخدام الصلاحيات المعطاة لهم بحكم منصبهم (على سبيل المثال التشريع والمشاركة في النقاشات وصياغة الأسئلة، إلخ) بغية نشر الأفكار التي تنتج عنها. وفي العديد من الدول، يكون على أعضاء البرلمان ممارسة الضغط نيابة عن ناخبيهم على بعض المشاريع والإعتبارات المالية. إذ أن الدور التمثيلي الذي يقع على عاتق أعضاء البرلمان يتطلب منهم العودة إلى ناخبيهم لعرض إنجازاتهم. وإضافة إلى إقامة حوار مع ناخبيهم، يمكن لهم أن يقدموا أنواعاً أخرى من الخدمات مثل المساعدة الإجتماعية (على سبيل المثال، مساعدة الناخبين على حل مشاكلهم). بشكل عام، تقوم نسبة تأدية أعضاء البرلمان لوظيفتهم التمثيلية بشكل فعاّل على نظرة المواطنين إلى التفاعل القائم بينهم وبين هؤلاء.

بنية اللجان
يسمح نظام اللجان للبرلمانييين بتطوير خبراتهم والعمل من خلال التدقيق بالتشريعا وعمل السلطة التنفيذية والقوانين والسياسات المقترحة. وعادة ما توصف اللجان بـ"العامل الكادح" في البرلمان وذلك لأن إدارة اجتماعاتها وجمع المستندات وتنظيم الجلىسات، إضافة إلى التحضيرات التي تقوم بها، كلّها أعمال تتطلب الكثير من الوقت والمجهود. وكون هذه اللجان تشكل ركيزة مهمّة في البرلمان، يجب على موظفيها أن يتمتعوا بكفاءة عالية ويكونوا على اطلاع بالعمليات البرلمانية والقوانين والصياغة القانونية. ويشكّل تكوين اللجان عاملاً جوهرياً آخراً في عملها، ففي الواقع، على هذه اللجان أن تعكس تركيبة البرلمان، فتضم أعضاءً من كافة الأحزاب السياسية والمناطق والطوائف، من نساء ورجال.

التنظيم البرلماني
لا يمكن لبرلمان قوي وديناميكي وفعّال أن يقوم دون إدارة برلمانية تتمتع بنفس القوة والفعالية، إذ يشكل تنظيم الإدارة البرلمانية عاملاً أساسياً لا بدّ منه للوصول إلى مؤسسة برلمانية ناجحة. ويُذكر أن التنظيم الداخلي للبرلمان من خلال التسهيلات الحديثة وعبر أنظمة تكنولوجيا المعلومات أمر ضروري جداً. فمع تطوّر الإنترنت وتكنولوجيا النطاق العريض، يمكن للبرلمانات أن تتصل بشبكة عالمية للمعلومات من شأنها أن تساعدها في بحوثها القانونية وفي تعزيز الحكم السليم. وتقع على عاتق الإدارة البرلمانية مسؤولية كبيرة تتجلى في إدارة المعلومات البرلمانية، والتي تتطلب توثيق أعمال البرلمان إلى جانب توفير جميع المعلومات المتعلقة بالمسائل التي سيتم طرحها وذلك قبل النظر فيها. وفي النهاية، من أجل اتخاذ قرارات قانونية سليمة لا بد ّللبرلمان من أن يمتلك القدرة على التحليل وإدارة البحوث المتقدمة.

دعم أعضاء البرلمان
في كل برلمانات العالم، يشكل الأعضاء العامل الرئيسي، فأي مؤسسة برلمانية فعّالة تقوم على اندفاع أعضاء البرلمان ومشاركتهم وقدراتهم ومهاراتهم. وتحدّد القوانين والأوضاع القانونية التي تختص بأعضاء البرلمان، الوسائل التي يمكن لهؤلاء اللجوء إليها لتأدية أعمال فعّالة ومستقلة على الساحة البرلمانية. من هنا، على بنية البرلمان أن تدعم الأعضاء في عملهم وأن تسمح لهم بتطوير قدراتهم التشريعية مع الوقت.

ولا بدّ من الإشارة إلى أن المجموعات البرلمانية تشكّل الجندي المجهول في العديد من المجالس البرلمانية، فعضو واحد في البرلمان لا يمكنه التأثير على القرارات المتعلقة بالتشريعات أو بالإدارة دون دعم مجموعة من الزملاء. إذ أنّ كل برلمان تدب فيه الحياة يتألف من مجموعات منظمة تؤثر على مجرى الحياة السياسية. وقد تنعكس قدرة الأحزاب والفصائل السياسية ونسبة وعيها على مدى قدرة البرلمان على إدارة الخلافات الداخلية إلى جانب الخلافات مع السلطة التنفيذية والخلافات الإجتماعية. كما تلعب الأحزاب السياسية دوراً هاماً في الوصول إلى توافق قانوني وفي تحديد نسبة الإصلاحات.